إنجاز تاريخي ينهي جدلاً استمر ربع قرن حول خوارزميات التشفير
في تطور تقني غير مسبوق، تمكن نموذج متقدم من الذكاء الاصطناعي طورته شركة Anthropic من فك شفرة واحدة من أعقد الألغاز الرياضية التي حيرت خبراء الأمن السيبراني لنحو 25 عاماً.

ارتبط هذا اللغز بمجموعة أرقام غامضة سلمتها وكالة الأمن القومي الأمريكية NSA إلى المعهد الوطني للمعايير والتقنية NIST في أواخر التسعينيات، مما أثار شكوكاً واسعة حول وجود أبواب خلفية تتيح التجسس. وفي سياق هذا الاكتشاف، يتجدد التساؤل حول مدى سلامة البروتوكولات الرقمية الحديثة، ولا سيما تشفير بيتكوين الذي يشكل حجر الزاوية لأمان الأصول المشفرة.
كيف تمكن نموذج Claude من حل المعضلة في نصف ساعة؟
لم يستغرق نموذج Claude البحثي التابع لشركة Anthropic سوى أقل من ثلاثين دقيقة لتتبع مسار خمس بذور رقمية استخدمت في توليد المنحنيات الإهليلجية المعتمدة لدى معهد NIST. وتوصل النموذج إلى أن تلك الأرقام لم تكن نتاج مؤامرة أمنية معقدة، بل نشأت من برنامج تقليدي لتوليد الأرقام العشوائية يحمل اسم lrand48، معتمداً على طوابع زمنية تعود لعامي 1997 و1998.
أعاد النموذج توليد التسلسل الرياضي الخاص بمنحنى P-256 واسع الانتشار بدقة تامة، مما ينفي بنسبة كبيرة فرضية وجود ثغرة سرية متعمدة من قبل وكالة NSA، على الرغم من بقاء بعض الأسئلة التقنية دون إجابة حول سبب تجاوز البرنامج لبعض الخيارات الرقمية في ذلك الوقت.
لماذا يظل تشفير بيتكوين محصناً ضد هذه الشبهات؟
لم تكن شبكة Bitcoin يوماً طرفاً في دائرة الشك التي أحاطت بمنحنيات الوكالة الأمريكية، ويعود ذلك إلى طبيعة التصميم الهندسي الذي اختاره مؤسس العملة. يتميز تشفير بيتكوين بعدة خصائص حمائية راسخة:
- الاعتماد على منحنى secp256k1: تستخدم المحافظ الرقمية منحنى رياضياً مختلفاً يمتاز بالبساطة والوضوح الشديدين، بخلاف منحنى P-256 الذي يحمل أرقاماً عشوائية طويلة.
- انعدام مساحة التلاعب: يقوم المنحنى الخاص بشبكة Bitcoin على رقمين ثابتين وصغيرين، مما لا يترك أي مجال رياضي لإخفاء ثغرات أو نقاط ضعف غير معلنة.
- استقلالية القرار التصميمي: فضّل المبتكر ساتوشي ناكاموتو تجنب الخوارزميات المدعومة حكومياً، وهو خيار أثبتت الأيام بُعد نظره واعتمدته لاحقاً شبكة Ethereum وترقية Taproot الحديثة.
هل تشكل الحواسيب الكمومية خطراً على أمان التشفير؟
على الرغم من تبديد المخاوف بشأن الأبواب الخلفية المصنوعة بشرياً، يبرز خطر مختلف كلياً يتعلق بمستقبل الحوسبة الكمومية. يمتلك هذا النوع من الأجهزة القدرة النظرية على استنتاج المفاتيح السرية انطلاقاً من المفاتيح العامة المعروضة على البلوكشين، بصرف النظر عن نوع المنحنى الرياضي المستخدم.
تواصل الشركات التقنية الكبرى مثل شركة Google تحقيق قفزات ملحوظة، كان آخرها شريحة Willow التي قلصت معدلات الخطأ الحسابي بشكل كبير. ومع ذلك، يؤكد خبراء التشفير أن بناء حاسوب كمومي قادر على كسر تشفير بيتكوين فعلياً ما يزال يتطلب سنوات من التطوير التقني المستمر.
اختتم هذا الإنجاز بتخصيص المكافأة المرصودة لحل اللغز، والتي بلغت قيمتها 36,864 دولاراً، لصالح مجموعة بحوث أمان الإنترنت المشرفة على مبادرة Let’s Encrypt، تأكيداً على دور الشفافية في حماية البنية التحتية الرقمية العالمية.